Journal Alissar – اليسار

ثائرة-بنّاءة-حرة

without comments

زمن يسوع                                                                                                                                              دريد عودة:
قد يتساءل كثيرون ما سر ذاك الشاب من الناصرة، يسوع، الذي غيّر وجه الأرض رغم ضعة نسبه وتواضع نشأته؟!
لن أجيب بلغة السمويات والغيبيات أنه ابن الله وكلمته المرسل لبني البشر، بل سأتكلم بلغة الأرضيات: لقد جسّد يسوع بدعوته فكرة قرب الله من الإنسان، محبته اللامحدودة له، بعكس المفهوم التوراتي لله كإله بعيد، منفصل عن الإنسان، متعالي عليه، مستوٍ في الملأ الأعلى على العرش السماوي، يراقبه ليل نهار، سينتقم منه يوم الحساب العظيم، وسيرمي الخطأة في نار جهنم ليحترقوا هناك حتى أبد الآبدين، إله حقود لا يغفر ولا يسامح، إله غيور على أحاديته الإلهية ويرمي المشركين بالألوهة في الجحيم، إله يحجب عن الإنسان النور الإلهي وقدس الأقداس خلف الحجاب، إله مستبد لا يزال ناقماً على آدم وحواء وذريتهما البشرية بسبب الخطيئة الأولى التي لا يمسحها طلب غفران ورجاء.
لقد نقض يسوع كل هذا المفهوم التوراتي البغيض للإله، ونقض شريعة موسى العين بالعين والسن بالسن. لا بل نقض جذرياً كل ميراث إبراهيم عن الله المتعالي المفارق في السماء السابعة حتى وصل به الأمر إلى القول قبل أن يكون إبراهيم كائناً، أنا كائن. وكم يضحكني أولئك المسيحيون الذين يقولون إننا أولاد إبراهيم، وإن المسيحية دين إبراهيمي!
كما قلب يسوع، هذا المعلم الروحي الثائر، كل الميراث الديني التوراتي وكل ألواح الشريعة، واضعاً مكانها مفهوم ملكوت السماء في قلوبكم ومفهوم الوحدة أو الاتحاد بين الله والإنسان الإبن وانفتاح العالم الإلهي على الإنسان عبر المحبة والمغفرة، وإذ بالحجاب الفاصل بين الله والإنسان يمزق بعد الصلب، بمعنى أن الإنسان دخل في النور الالهي، قدس الأقداس، عبر الابن أي المسيح في حين أن قدس الأقداس كان محرّماً دخوله على الإنسان في اليهودية ولا يدخله إلا الأحبار وأرباب الشريعة.
وهدم يسوع الهرمية الإجتماعية البائسة التي كان يقف على رأسها أرباب الشريعة والأحبار، نسف الثيوقراطية اليهودية من جذورها، واستبدلها بمفهوم الأخير هنا هو الأول عند الآب، واضعاً مفهوم الفقراء إلى الله أي الفقيرية الروحية مقابل الثراء المادي المبعد عن الله: لا تعبدوا ربين، الله والمال.
والأهم أن يسوع وضع الأساس الفكري والروحي للعلمنة وفصل الدين عن الدولة: اعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
ويطول الكلام ويطول عن هذا الرمز الإنقلابي الكبير ضد الظلامية اليهودية من ناحية ومادية روما المتوحشة من ناحية ثانية، لأخلص إلى القول إن يسوع لم يكن يهودياً لا بالفكر ولا بالروح، بل هو استمرار وتجسيد للروح الآرامية السمحاء واستمرار لأفخارستيا ملكيصادق كاهن الله إلى الأبد، ذاك الذي عرّف إبراهيم على أسرار الخبز والخمر، الأفخارستيا الكنعانية، لكن هذا لم يأخذ بالأسرار.

Written by Raja Mallak

December 27th, 2019 at 2:02 pm

Posted in Thoughtsِ

Leave a Reply