Journal Alissar – اليسار

ثائرة-بنّاءة-حرة

رباه أعد الي ولدي

without comments

كانت ترفع يديها الى السماء متضرعة – عندما سقط منديلها الاسود عن شعرها الابيض!
_ رباه اعد الي ولدي- وانهمر الدمع من عينين حزينتين .
رباه لا تحرمني منه كما حرمتني من والده وخاله . رد الي وحيدي لم يبق لي في هذا العالم غيره بعد أن شئت سبحانك أن تفجعنا بموت زوجي وأخي على ايدي مسلحين في هذه الحرب الطائفية القذرة ؛ ولم يبق لي من حطام الدنيا الا هذا البيت الصغير الذي بدأت جدرانه تتفسخ- بعد ان بعت كرم الزيتون وكان آخر ما تبقى لنا من الرزق – لادفع له أقساط آخر سنة جامعية !
كان ذلك عشية سفر ابنها الوحيد الذي ضاقت بوجهه الدنيا بعد ان حاول جاهدا الحصول على عمل يسد مدخوله الحاجات الاولية له ولوالدته – وحتى لو كان اقل بكثير مما تمكنه شهادته الجامعية.
ولد أسعد همّام لابوين أحبا الحياة وكان لهما الكثير من المحبين بين الناس على مختلف مشاربهم اذ ان رضوان همّام كان يقول :المعاملة بين الناس هي الاساس و( كل واحد ع دينو الله يعينو) ! وكانت تقول زوجته صفية : هذا ما كنت أسمعه دائما من أبي!
نظرا لشح المواسم وبعض الاحيان عدم وجود سوق استهلاك لها اضطر رضوان أن يعمل حاجبا في أحد البنوك في بيروت بمرتب متواضع ليؤمن حياة لائقة لعائلته خصوصا ان اسعدا انهى دراسته الابتدائية بنجاح وكان عليه ان ينتقل الى مدرسة ثانوية خارج القرية وهذا ما يرتب على والده مصاريفا اضافية. غير أن رضوان كان قنوعا _ الحمد لله مع هذا المعاش و بعض المدخول من الرزقات وكرم الله نعيش ونعلم أسعد ليحظى بمستقبل أفضل . أما صفية كانت سعيدة – كانت تنهض في الصباح باكرا تحضر القهوة والترويقة لزوجها وابنها – ثم تحضر لهما طعام الغداء يحمله كل منهما بشنطة صغيرة – وبعد ان تتناول الترويقة تبدا بعمل البيت :التنظيف – الغسل والطبخ ؛ فهي لا تهدأ قبل وقت الغداء – وبعد استراحة قصيرة تعود الى عملها.
في المساء يعود رضوان من عمله وأسعد من مدرسته – الماء الساخن جاهز ليغتسلا قبل العشاء . بعد العشاء ينكب أسعد على الدرس وكتابة فروضه ويجلس رضوان وصفية يقص كل منهما على الآخر أخبار عمل نهاره؛ وكان رضوان يبدأ حديثه دائما بالشكر لزوجته على الراحة التي تؤمنها للعائلة وترد صفية لا شكر على واجب – تقوم بواجبك وأقوم بواجبي.ويجيب رضوان (الله يخليلي ياكي) وتقول صفية ( ويخليلي ياك ويخليلنا هالصبي .
صفية لها المام بالخياطة -وفي احدى الامسيات بعد العشاء قدمت لزوجها قميصا قائلة : انظر لقد مر بائع واشتريت منه قطعة قماش صنعت منها قميصين واحد لك واخر لاسعد ! _ جميل جدا شكرا يا صفية أجاب رضوان وأردف قائلا وما اشتريت لك؟ قالت صفية : لست بحاجة لشيء الآن – ربما الشهر القادم اشتري فستانا .
_ اريد ان تقطعي لي وعدا بذلك.
_ أعدك – ان شاء الله – بقي من قطعة القماش هذه ما يكفي لأخيط قميصا لاخي اذا كان لدي متسع من الوقت غدا.
_ ان لم يكن غدا فبعد غد – ولا تنسي ان عليك اخذ قسط من الراحة يا صفية!
لصفية أخ يدعى جميل جباعي – عازب يقيم في بيت صغير ليس بعيدا عن بيت اخته – ورثه عن أبيه مع بعض الاملاك من حقول زيتون وعنب ورمان وقطعة سليخ يزرعها خضارا تعود عليه بدخل لا بأس به لرجل وحيد – لم يفكر بالزواج ._ لن أستدين لاتزوج – هكذا كان يجيب اخته كلما فاتحته بموضوع الزواج – ثم يبتسم لاخته بسمة فيها الكثير من الحنو ويقول يوما ما يوما ما -هل تحسنين الرقص فترقصين يوم عرسي؟ فتهز صفية رأسها ذات اليمين وذات اليسار وتعود الى عملها .
أما جميل فكان يعلم أنه لا يمكن ان يعيش طيلة حياته عازبا ولا يمكن ان تستمر صفية تغسل ثيابه وتكويها وتحضرالخبز له وبعض الطبخ أحيانا . ولكن جميل الذي لم يكن ليخفي شيئا عن اخته كتم عنها سرا لخوفه من ان يخفق بما يريد القيام به – و كان قد ادخر مبلغا متواضعا من المال طيلة خمس سنوات بعد ان فقد امه التي عودته على الادخار – اراد من ذلك ان يحسن مدخوله ليؤمن حياة كريمة لعائلته التي يحلم بها -لم لا والارض موجودة ولديه قبو واسع يمكن استعماله مبدئيا لمشروع تربية دواجن ؟ وما ان اشترى عددا من الابقار وبعض الدجاج من وزارة الزراعة بأسعار مخفضة – وعددا من الارانب وأمن لها العلف لمدة طويلة – ذهب الى اخته وصهره يزف البشرى – فهنأه رضوان مبتهجا وعانقته صفية جذلة وقالت:(يا ملعون ما كنتش عارفتك عاقل هيك!) – فأجاب جميل متأثرا : انها فكرة أمنا يا أختي !
_ مع انني حزينة لفراقها فأنا سعيدة الآن بك و بتحقيقك امنيتها- أتمنى لك التوفيق !
دخل جميل الى غرفة ابن اخته يداعبه بعض الوقت قبل أن ينصرف ويتركه يقوم بواجب الدرس والكتابة – ولم يطل به الوقت حتى خرج قائلا : تصبح على خير يا أسعد ! و كانت صفية قد أعدت القهوة فجلسوا الثلاثة يشربون القهوة ويتسايرون.
كم كانت الحياة هنيئة في القرى اللبنانية في راحة البال رغم بعض المتاعب ! لكن ذلك لم يطل كثيرا – وقبل ان ينهي أسعد دراسته الثانوية وقعت الحرب الاهلية اللبنانية التي حرمت اللبنانيين من سعادتهم واعمالهم واحب الناس اليهم ؛ وكالكثير من اللبنانيين سرح رضوان من عمله في البنك – فواضب على العمل في املاكه – ولكن بعد ان انتشرت الحرب على نطاق أوسع من بيروت تعذر على القرويين نقل منتوجاتهم الزراعية الى المدن واقتصرت على الاستهلاك المحلي – في المناطق – ورغم التعاون الذي حصل بين رضوان وجميل في الزراعة وتربية الدواجن كان تصريف منتوجاتهم العقبة الاصعب في جملة ما يقومون به .
كانت الحرب اللبنانية رغم قذارتها تزيد قذارة كل يوم – فمن القتل على الهوية الى القتل من اجل المال -الى فرض الخوات على الناس من قبل المسلحين – وكان لكل قرية وكل حي من احياء المدن نصيبه من هذه التصرفات غير الاخلاقية!
جلست صفية كعادتها تتناول طعام الغداء وحيدة – رضوان وجميل يعملان في الحقول وأسعد في المدرسة – ولكن على غير عادة كانت تشعر كأن يدا تضغط على قلبها – وتمتمت بعض صلوات سائلة الله القدير ان يمنحها هداوة البال ثم عادت الى عملها المنزلي . بعد مضي ما يقارب ثلاث ساعات من الوقت خرجت صفية الى باب الدار تستقبل ولدها العائد من المدرسة باسمة محاولة اخفاء اضطرابها – لم تفارقها الغصة طوال النهار ! زاد على ذلك تاخر زوجها وأخيها عن موعد عودتهما – اقبل أسعد على أمه محييا وقبل يدها فضمته الى صدرها بحنان قائلة اذهب يابني واغتسل -يمكنك ان ترتاح قليلا بانتظار أن يصل والدك .
_ ليس من عادته أن يتأخر !.
_ ربما أراد ان ينهي عملا ما اليوم فيمكنه مساعدة خالك غدا.
دخل اسعد الى المنزل واغتسل – ثم الى غرفته وتمدد على سريره يحلم ببعض الراحة فثقلت عيناه وغط في نوم عميق ليستفيق بعدها على صراخ والدته وبعض نساء القرية – فنهض مسرعا وخرج فرأى والدته تبتعد عن المنزل على الطريق المؤدي الى الحقول وهي تصرخ يا رضوان -ياجميل – فراح يعدو وراءها حافي القدمين ! وما أن اقتربا من المكان الذي شاهد فيه احد القرويين العائد من حقله جثتي رضوان وجميل حتى أمسك النساء بصفية والرجال بأسعد وحالوا دون مشاهدتهما الجثتين في قناة على جانب الطريق .
كان الليل طويلا والانوار مضاءة في القرية حتى الصباح والناس في حركة دائمة -وتناوب النساء للسهر الى جانب صفية التى اصيبت بالذهول وجحضت عيناها ولم تعد تقوى على الحراك ولاتنبس ببنت شفة ! أما اسعد كان يبكي بمرارة الى ان جف الدمع في عينيه فأصبح يئن أنين المجروح ولم يفلح بتهدئة خاطره رفاقه الذين لم يفارقوه طيلة الليل والنهار. وفي اليوم الثاني صحت صفية من ذهولها وبلل الدمع منديلها وأغمي عليها مرتين .
مر اسبوع وأهالى الضيعة يأتون كل يوم – كل حسب ما يسمح له وقته يشاطرون اسعدا وامه حزنهما ويحاولون قدر المستطاع مؤاساتهما.
صبيحة أحد الايام قطعت صفية ذلك الصمت الذي خيم عليها وعلى ولدها طيلة اسبوع ونيف ! دخلت الى غرفته وكان مستلقيا على سريره وعيناه شاخصتان الى سقف الغرفة – جلست على جنب السرير بالقرب منه بعد ان وضعت صينية عليها ركوة القهوة وفنجانان على كرسي صغير وأخذت بين راحتيها يده بحنان قائلة اسمع يابني يا حبيبي! لا أطلب منك ما لا قدرة لي عليه- لا أعتقد انه يمكن نسيان والدك وخالك غدا ولا بعد غد ولا حتى في هذه الحياة- مصيبة وحلت بنا وهذه ارادة الله ! واني أسال الله ان يمنحنا القوة و الصبر ؛فاعلم يا بني أن الحياة تستمر وأنت في حداثة سنك وأمامك سنوات طويلة عليك ان تحضر لها – وأنت أملي الوحيد اذ لا يمكنني ان استمر بالعيش دون ان تكون الامل الذي أعيش من أجله -ثم أمسكت بذراعه قائلة :اجلس – وأحكمت الوسادة خلف ظهره ووضعت فنجان القهوة بيده وتابعت : اشرب يا أسعد وساشرب أنا أيضا
– اسمع يا حبيبي – خذ هذا النهار لتفكر بما أقول لك وثق أنني أريد لك خيرا – وغدا ستعود الى مدرستك !
تناولت صفية آخر جرعة من فنجان القهوة ثم نهضت قائلة سانتظرك في المطبخ لنتناول الترويقة سويا! ثم أرادت ان تخرج من الغرفة- لكن أسعد لم يحرك ساكنا ولم ينبس ببنت شفة ! وعندما اقتربت من الباب استدارت وقالت “أسعد” بلهجة صارمة ! فرفع اسعد نظره اليها قائلا : آت يا أماه .
عاد اسعد الى مدرسته ولم يعد ذلك الفتى الذي لا تفارق البسمة محياه – فهو لا يبتسم أبدا ورغم تركيزه على متابعة معلميه يشرحون المواضيع في غرفة الصف – لم يفارقا طيفا والده وخاله تفكيره لاكثر من نصف ساعة باستمرار ! اما المعاناة الاكثر ايلاما كانت تلك التي تعترضه في البيت حيث انه لم يتمكن من التركيز على مواضبة دروسه وفروضه -ولكن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجيا بعد ما يقارب الشهر من عودته الى المدرسة -خصوصا وأن احد معلميه نصحه بلطف مقدرا شعوره وظروفه .
في هذا الوقت كانت صفية تعمل على تصريف ما تركه زوجها وأخوها – وقررت أولا أن تتخلص من الابقار التي تشكل لها متاعب كثيرة تنتهي بخسارتها فمن الافضل بيعها ولو اضطرت لبيعها بنصف القيمة بسبب رداءة الوضع وجشع التجار – وكان اسعد يعاونها أيام العطلة بما تيسر لديه من الوقت .
في موجة الغلاء باعت صفية كل الدواجن لديها مضافا اليها البيت الصغير الذي عاد لها بعد موت أخيها ؛ كان في قلبها مزيجا من الشعور بالغبن والحسرة عندما سلمت مفاتيح بيت أهلها الى أحد النافذين أيام الحرب في القرية “محسوب زعيمهم الطائفي”! كل ذلك قبل أن ينهي اسعد دراسته الثانوية . وكانت الايام طويلة قاسية محفوفة بالخطر – انتقل خلالها أسعد الى الجامعة – وكانت أمه تبيع ما ورثت بأثمان بخسة لتسدد أقساط الجامعة حتى انتهت آخر سنة منها و قد أتت على آخر كرم زيتون تملكه ؛ ولكن لا بأس عليها! ان اسعدا -بعينيها يملأ الدنيا ! هذه الدنيا التي ضاقت به فلم يجد عملا واضطر ان يهاجر كالكثير من اللبنانيين من كل الطبقات والمستويات.
وصل اسعد الى كندا تاركا وراؤه أمّا تذوب حزنا لم ينصف الدهر قلبها ولا جسدها الذي نحل وخارت قواه تحت وطأة السنين القاهرة! كان عليه أولا ان يذهب الى احدى الجامعات الكبرى ليعادل شهادته ووجد انه عليه ان يتابع الدراسة لمدة سنتين حسب المستوى الجامعي في كندا . تقدم من الجامعة بطلب تسجيل وطفق يبحث عن عمل يؤمن له مصاريفه ويمكنه من مساعدة والدته ؛ وبعد أيام وكاد الامل يفارقه – شاهد اعلانا على باب احد المحلات الكبيرة كتب باللغتين الفرنسية والانكليزية “مطلوب بائع يحسن اللغتين للعمل مؤقتا” . ولج أسعد الباب الى الداخل وحيى سيدة شقراء رحبت به ببشاشة مما اضفى على شعوره الراحة فخاطبها مبتسا سائلا عن المسؤول الذي يجب أن يقابل بخصوص الاعلان على مدخل المحل – فاجابته أن عليه أولا ان يملي طلب عمل وعليه ينظر بأمره.
_ حسنا سيدتي – هل لديك نسخة منه؟
أشارت السيدة اليه بالجلوس وأتته بطلب – سلمها اياه بعد قليل – وبعد ان اطلعت عليه ابتسمت قائلة : ارجو ان تنتظر قليلا – ونهضت متجهة الى ناحية في المحل وعينا أسعد تتبع خطواتها وقدها الرشيق الى أن توارت خلف باب بعد ان طرقته ودخلت لتعود بعد دقائق معدودة تعلو البسمة محياها لتعلم اسعدا ان المدير سيقابله بعد قليل ! ودار بينها وبينه حديث بدأته بسؤالها عن انطباعاته عند وصوله الى كندا – وما اذا كان له أقارب هنا؟ ولم يطل الوقت حتى ظهر المدير أمام باب مكتبه وبحركة من يده علمت منه انه بانتظار ضيفها – فالتفتت الى اسعد قائلة : حسنا انه المدير- يريد مقابلتك الآن .
نهض اسعد شاكرا ومشى الى حيث كان المدير بخطوات تنم عن الثقة بالنفس -(بونجور مسيو) صباح الخير ياسيدي ! ومد المدير يده مصافحا فصافحه أسعد بحرارة ودخل معه الى مكتبه – وبعد ان وجه له المدير بعض الاسئلة طلب منه ان يسرد له قصة مجيئه الى كندا وخاطبه بعدها باللغة الانكليزية – قال المدير : أعلم ان لا خبرة عمل لديك ولكني معجب بثقافتك والمامك باللغتين الفرنسية والانكليزية – دعني أفكر قليلا بالموضوع – اليوم نهار الخميس وأتصل بك غدا وعلى الاكثر بعد غد.
نهض اسعد مودعا المدير على أمل اللقاء القريب وسار نحو الباب الخارجي ولم ينس ان يشكر السيدة الشقراء على معاملتها اللطيفة له فابتسمت قائلة :أرجو أن نراك قريبا!
نهار الاثنين أول الاسبوع التالي كان مع أسعد في المحل بائع من أصحاب الخبرة الطويلة مضى عليه ما يقارب العشر سنوات في العمل – فكان يدربه شارحا له خصائص البضاعة ومكان كل ماركة في المحل الذي له أول وليس له آخر ! ثم نادى على أحد الخياطين وطلب منه ان يشرح للبائع الجديد القياسات وكيف يمكنه معرفة امكانية توسيع او تضييق الملابس تطويلها او تقصيرها لتناسب قياس الزبون – وعندما اطمأن الى معلوماته قال له مشيرا الى احد الداخلين الى المحل : انه زبونك الاول !
رحب أسعد بالزبون عارضا عليه مساعدته بوجه بشوش ! ولحسن حظه ابتاع الرجل من الملابس ببضعة مئات من الدولارات – وسر أسعد – وهنأه زميله وقال له: لقد انتهى عملك لهذا النهار – اذهب واطلع على برنامج العمل و سجل ايام وساعات عملك وعد الينا في الوقت المعين .
عاد اسعد الى مكان سكنه حيث اتخذ له غرفة في بيت مع وجبتين من الطعام : الترويقة والعشاء – كان مكتب الهجرة في المطار ارسله اليه يوم وصوله- وبعد ان تناول طعام العشاء مع مهاجرين من كل زوايا العالم بينهم مصري وعراقي ودعهما أسعد ودخل غرفته وخط لوالدته رسالة شارحا فيها رحلته من المطار في بيروت الى نهاية أول يوم عمل له طالبا منها ان تدعو له بالتوفيق واعدا ان يرسل لها بعض المال في أقرب وقت ممكن.
في البداية لم يشعر اسعد بوحشة الغربة كان اهم ما عنده ان ينجح في عمله ويكمل دراسته – وبالطبع ان يعيل والدته – فكان قليل الخروج من المنزل أيام العطل ويواضب على الدرس . ثلاثة أيام عمل في الاسبوع والمعاش متوسط – ولكن تقدمه السريع في عمله سمح له ان يحل محل الباعة الدائمين عند تغيبهم الاضطراري عن العمل وكان يقوم بذلك باندفاع مما جعل مديره يقطع له عهدا ان يبقيه معهم في العمل طيلة مدة دراسته الجامعية فليكن مطمئنا من هذه الناحية!
وكرت الايام ولم يشعر اسعد بالغربة لولا حنينه لوالدته – فلبنان الذي ولد فيه وتعلم لم يكن له فيه من ذكرى جميلة سوى بعض ذكريات الطفولة و أيام الدراسة – عدا ذلك فكل ذكرياته مرة يتمنى لو تمحى من ذاكرته الى الابد ! وبعد مرور سنتين ونيف كان قد أنهى دراسته الجامعية و شعر براحة نفسية – لقد أصبح بامكانه أن يشغل وظيفة أفضل فيحسن من وضعه ووضع والدته وربما يزورها في غضون سنة!
لم يكن بمنتهى السهولة ايجاد عمل جديد كما أراد – كانت الخبرة دائما تحول بينه وبين العمل المنشود ! بضعة شهور مرت على هذه الحال ولكنه لم ييأس وما زال يداوم في عمله كالمعتاد مع متسع من الوقت .
ذات صباح و كما كان يفعل كل يوم متابعا اعلانات العمل في الصحف اليومية – وقع نظره على اعلان استرعى انتباهه (شركة فتية بحاجة الى مدير مبيعات ينمو مع الشركة – الخبرة غير ضرورية – ندرب الشخص المناسب! اتصل على الرقم(———- ). وبعد الاتصال ومقابلة اولى مع السكرتيرة وثانية مع المدير وثالثة مع رئيس الشركة وانتظار ما يقارب الشهر اختير أسعد ليتابع دورة تدريبية لمدة ستة أشهر براتب لا بأس به على أن يعدل معاشه فور استلامه صلاحيات مدير للمبيعات.
طار اسعد فرحا – وكتب لوالدته رسالة كانت أقصر رسالة كتبها في حياته لانه أراد أن يفرغ من تلك الرسالة ليضعها في البريد ويكمل طريقه الى محل عمله الذي كان سبب نجاحه وطمانينته ما يقارب ثلاث سنوات فعليه ان ينذر مديره بقرار ترك العمل بمهلة مدتها اسبوعين .
ومن نجاح الى آخر! فقد برهن أسعد انه كفؤ لشغل وظيفة مدير مبيعات – وزاد اهتمام المسؤولين به واحترامهم له ! كما زادت ثقته بنفسه وكان سعيدا وأحد اسباب سعادته انه أصبح بامكانه تحسين وضع والدته ماديا ويأمل أن يراها قريبا وهي في غاية السعادة ! عادت البشاشة تعلو وجهه وجمع حوله عددا من الاصدقاء وأصبح بمقدوره ان يخرج للهو أيام العطل ؛ ولولا ألذكرى ألمؤلمة بوفاة والده وخاله لنسي عذاب حياته!
مرت سنة وبعض السنة وأسعد يقوم بعمله خير قيام وجاءت نتائج جهوده مشجعة وزاده ذلك غبطة وسعادة وبدأ يفكر أن ياتي بوالدته لتقيم معه فما لها وللعيش في لبنان ؟ ولكنه سيفاتحها بالموضوع عندما يذهب لزيارتها في المستقبل القريب فهو ينتظر موعد عطلته السنوية .
كان يبحث عن شقة يستأجرها ليعود اليها بعد قضاء عطلته السنوية في لبنان لذا تأخر قليلا عن المعتاد بالعودة الى غرفته مساء – وعند دخوله كانت هناك رسالة على منضدة صغيرة في مدخل البيت تحمل اسمه فالتقط الرسالة ولكن سرعان ما بهت وجهه وارتجفت يداه اذ ان الخط لم يكن خط والدته ! واقترب منه صديقه العراقي الذي كان بانتظار عودته قائلا : ما بك متجهم على غير عادة ؟ولم يجب أسعد بل طلب منه أن يفض الرسالة ويقرأها وجلس على كرسي جنب المنضدة – واستغرب عادل طلبه ولكنه فعل وقرأ :عزيزي أسعد بكل أسف نعلمك ان والدتك قد توفاها الله الاسبوع الماضي ودفنت الى جانب والدك كما أرادت. تقبل أصدق التعازي . جاركم أبو مسعود .
في نفس النهار كان أبو مسعود يقرأ رسالة وردت من أسعد الى أمه :
أمي الحبيبة .
يسرني ان اعلمك أنني آت لزيارتك آخر هذا الشهر ساعلمك بالتأكيد عن موعد وصولي . بغاية الشوق اليك. ولدك المخلص أسعد.
كانت تلك الرسالة آخر مرة ذكر فيها أسعد اسم لبنان !!!

Written by Raja Mallak

May 5th, 2017 at 2:57 pm

Posted in Thoughtsِ

Leave a Reply